علي بن أحمد المهائمي
174
خصوص النعم في شرح فصوص الحكم
[ ولما خافت نفوس العمّال منّا اتّبع المعيّة بقوله : وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمالَكُمْ [ محمد : 35 ] فالعمل يطلب المكان والعلم يطلب المكانة ، فجمع لنا بين الرّفعتين علوّ المكان بالعمل وعلوّ المكانة بالعلم ، ثمّ قال تنزيها للاشتراك بالمعيّة سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى [ الأعلى : 1 ] عن هذا الاشتراك المعنويّ ] . ثم أشار إلى أن إدريس لم يختص بعلو المكان بل شاركناه فيه مع اختصاصنا بعلو المكانة ، وذلك أنه ( لما خافت نفوس العمال منا ) من جهة أنهم رأوا قد خصوا بعلو المكانة المختصة بالعلوم والأحوال دون الأعمال فظنوا ، أعمالهم ضائعة لا ثواب لها ( اتبع المعية ) أي : ذكر عقيبها ( بقوله : وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمالَكُمْ [ محمد : 35 ] ) ، أي : لا ينقصكم ثوابها ( فالعمل يطلب المكان ) أي : علو المكان ؛ لأنه محسوس تعلق بالجوارح المحسوسة فيقتضي أمرا محسوسا ، ( والعلم يطلب المكانة ) لتعلقه بأمر مجرد ، وهو القلب والروح فأشبه المعاني فاقتضى ما يناسبها ، وإذا كان كذلك ( فجمع لنا بين الرفعتين علو المكان بالعمل ، وعلو المكانة بالعلم ) . وخص إدريس عليه السّلام بعلو المكان مع صيرورته من عالم الأرواح المجردة المقتضية علو المكان ؛ لأنه إنما بلغ هذا المقام بأعماله فروحانيته متفرعة عنها ، وكان له أيضا علو المكانة في ضمن ذلك ؛ لأجل روحانيته من حيث هي روحانية ( ثم ) أي : بعد ما جعل علو المكانة مشتركا بيننا وبين الحق تعالى ، ( قال : تنزيها للاشتراك ) أي : تبعيدا للاشتراك في علو المكانة الموهم للتسوية ( بالمعية : سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى [ الأعلى : 1 ] ) ، فأمر بتنزيه هذا الاسم عن ( هذا الاشتراك المعنوي ) « 1 » الدال على التواطؤ المقتضي للتسوية بل كان بينهما من التفاوت ما ينفي الاشتراك بالكلية . [ ومن أعجب الأمور كون الإنسان أعلى الموجودات ، أعني الإنسان الكامل ، وما نسب إليه العلوّ إلّا بالتّبعيّة ، إمّا إلى المكان ، وإمّا إلى المكانة ، وهي المنزلة ، فما كان علوّه لذاته فهو العليّ بعلوّ المكان وبعلوّ المكانة فالعلوّ لهما ، فعلوّ المكان ك الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى [ طه : 5 ] ، وهو أعلى الأماكن وعلوّ المكانة كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ [ القصص : 88 ] وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ [ هود : 123 ] أَ إِلهٌ مَعَ اللَّهِ [ النمل : 60 ] . ثم أشار إلى أن العلو ، وإن حصل لنا في المكان والمكانة فليس ذلك لذاتنا فقال :
--> ( 1 ) يتعلق بقوله : ( سبح ) .